إرشيف التصنيف: ‘تفكر وتفكير’

عيب عليك!

الأثنين, 22 مارس, 2010

لابد أنك جالستهم، وسمعت أحاديثهم في المجالس. يلوّح الواحد منهم بيديه وهو يتشاءم ويتذمر من كل شيء حوله: المجتمع والمسؤولين ومستوى التعليم والصحة وإهمال النظام.. ثم يعدل جلسته ويتغنى بالوتر المحبب حين يقارن الوضع المحلي بالدول المتقدمة، التي تتقدم أشواطاً في الإنتاج والمدنية، يتعالى صوته الذي صار مبحوحاً وربما يتناثر لعابه وهو يصيح بأننا لا نملك الفرصة ولا يمكن أن نصنع شيئاً والوضع لا يسير إلى الأمام بل إلى الخلف، لا أحد من المسؤولين يلتفت إلينا ولا نجد من يمد لنا يد التبني والمساعدة حتى نصلح الحال. بس “ما حولك أحد” و “الوضع كله دمار في دمار”. (بالمناسبة، ما هو شعور الصبيان في المجلس؟ لا أتصور أنهم سيتحمسون للمدرسة غداً)

تجدهم في كل مكان، حتى الإنترنت تفشوا فيها وانتشروا كالوباء. حين تسمع حديثهم، إما أنك بائس ومحترق مثلهم، فيبرّد حديثهم على قلبك. وإما أنك إيجابي طموح، فتشعر أنك قرفت من الدنيا وما فيها بسببهم. وللمعلومية، يفرحون بخيبة أملك معهم.

لقد عاشرت كثيراً من هؤلاء، في عائلتي وأصحابي، وأضعت ساعات من الجدال العقيم معهم، أحاول أن أعيد لهم التوازن، وأقول لهم بأن في كلامكم وجاهة، فنحن لسنا أفضل الشعوب، وفينا من العيوب والمشاكل الشيء الكثير، ونعاني فعلاً من فساد عند المسؤولين، ومتأخرون كثيراً مقارنة بالدول المتقدمة. ولكن هذا لا يعني أن كل شيء هنا سيئ كما تزعمون! ولا يعني أن الحياة هنا لا تستحق الكفاح والسعي والمثابرة. إنما الدنيا هي ما نحب رؤيته منها. فمثلما تنظرون إلى المساوئ والعيوب، ومثلما تعشقون الأخبار السلبية، انظروا إلى الجوانب المشرقة، إلى النماذج الناجحة في هذا البلد، إلى الإنجازات التي يحققها جيل الشباب.. لماذا لا تقرؤون وتتحدثون عن نماذج الناجحين في الإعلام وفي الأدب وفي الفن وفي الاختراع وفي التدوين وفي العلم، وغيرهم ممن ظهروا وأنجزوا وحققوا؟ في كل يوم نكتشف أسماء جديدة صنعت وأنجزت حتى رغم الضغوط والكوابح التي تقولون عنها. الحقيقة هي أنه لا يوجد كوابح حولنا، الكوابح فينا نحن، والاعتراف بالتقصير هو أول خطوة للتقدم.

ولكن حديثي هذا لا يفيد معهم، ولا يحرك فيهم ساكناً.

ومع احتكاكي فيهم، عرفت سرهم، وسبب شكواهم واستيائهم الدائم.

إنهم فاشلون!

نعم! أكثر المتحدثين عن افتقارنا للنجاح والتقدم والإنجاز والصناعة، هم أكثر الناس افتقاراً لتلك المبادئ في حياتهم الشخصية.
إنها خيبة الأمل في أنفسهم، وليس في الدنيا. يخدعون أنفسهم، ويخفون ذلك بالتذمر الدائم حتى ينسون كم هم يائسون، وكم هم أضعف من أن يتحركوا ويغيروا شيئاً من المحيط حولهم.

بالفعل يا أصحاب، إنها معضلة نفسية. لقد أقنعوا أنفسهم بأن الخلل في كل ما يحيط بهم، وليس في ذواتهم. ولهذا يعشقون التذمر من كل شيء، حتى الطقس! يحبون إحاطة أنفسهم بالحواجز، حتى يكون لديهم حجة في داخلهم تبرر لهم خمولهم.

إنهم لا يتعمدون هذا، وربما لو قلت لهم هذا سوف ينكرونه، لأنهم لا يعلمون، ولا يريدون أن يعلموا.

لماذا أشعر أننا المخلوقات المتذمرة الوحيدة؟ حتى الجائع المشرد في الدول المتقدمة لا يتذمر ولا ينطق بكلمة شكوى. التذمر عيب ياخي! إن كنتَ رجلاً، فالرجال لا تتذمر وتشتكي. الرجل الحقيقي هو من يؤمن بنفسه، وأنه قادر على شق طريقه وصنع حياته وقهر الظروف لصالحه. هذا هو الرجل. وإن كنتِ امرأة، فأنوثتك في ثقتك بنفسك وقدرتك على صنع ما تحلمين به دون التململ وفقدان الصبر من المعوقات والصعوبات حولك.

تدوينة مشابهة: ابتهج، كفانا انتقاصاً

مصدر الصورة

فكرتي، اسرقها!

السبت, 29 أغسطس, 2009

بعد التفاعل المحفز من أخي المدون عصام الزامل مع فكرة مدونة (رجاء اسرقها.. مشاريعي)، وجدته من الضروري أن أتفاعل أيضاً حتى أساهم في نشر هذه الثقافة، وأتمنى من جميع المدونين كذلك ألا يبخلوا ما تجود به مخيّلاتهم.

كل ما هو مطلوب هو أن تطرح أفكارك التي تعتقد أنها تساهم في حل مشكلات موجودة حولك، مشكلات يعاني منها الناس، أو أنها تطور أشياء نحو الأفضل، أو حتى اختراعات غير مسبوقة، ولكن بسبب ضيق وقتك أو عدم استطاعتك على تنفيذها، تطرحها للناس لعل هناك من يتبناها أو “يسرقها” كما يحب الإخوة تسميتها.

أحب أن أشجع المستثمرين وكل من يؤمن بأفكارنا ألا يتردد في دراسة جدواها وتقديم ملخص براءة اختراع “Patent” من وزارة التجارة، وهم بالمناسبة متقبلون لكل الأفكار ولا يرفضون حتى الغريبة منها. تسجيلها يضمن ملكيتك والاستفادة من مردودها المادي والحق القانوني في المطالبة عند سرقتها، فاسرقها قبل غيرك!

__

ما هي فكرتي؟ فكرة متواضعة ولكن أظنها مهمة.

المشكلة:

يبلغ عدد المسافرين في طريق واحد مثل طريق “الدمام-الرياض” الآلاف يومياً ناهيك عن باقي الطرق السريع المكتظة بالسيارات على مدار الساعة طوال أيام السنة. نسبة كبيرة من هؤلاء المسافرين يشعرون بالملل أثناء القيادة، خاصة إذا كان الطريق طويلاً، فطرقنا برية منظرها متكرر ولا يوجد ما يسترعي الانتباه، مما قد يؤدي إلى حالات نعاس أو عدم التركيز، وفي أقل الحالات ضرراً فإنهم يشعرون بالسأم والضجر.

الحل:

جاء الحل إيماناً بالطريق نفسه وتحويله إلى معرض ينشر الفنون والثقافة والفكاهة للمسافرين. وذلك في إنشاء لوحات على جانب الطريق بينها مسافات ثابتة (مثل لوحات الإعلانات داخل المدن) تحمل محتوى بسيط لطيف بحيث يمكن تذوقه بسرعة دون أن يضر ذلك بالسلامة المرورية.

أمثلة للمحتوى:

أدعية وأذكار، توجيهات مرورية، ألغاز (لغز في لوحة والإجابة في اللوحة الأخرى)، نكت، أعمال فنية.

وبشأن الأعمال الفنية تحديداً، تطورت الفكرة في ذهني، ورأيت أننا نشكو من ضعف كبير في ثقافة تذوق الفنون، فمعارضنا الفنية خالية من الزوار، وهذا غير مشجع لكل فنان وصاحب موهبة، يريد أن يصل إلى الناس. فلماذا لا تكون هذه اللوحات محضناً لكل صاحب موهبة بحيث تعرض عمله مذيلاً باسمه.

طريقة الحل:

سهلة جداً، الفكرة تتكون من ثلاثة أطراف مهمة، الكل يغذي الآخر، والجميع مستفيد! والأطراف هي: المشارك (الفنان)، المنظم، المعلن.

لابد للمنظم أن يمتلك رأس المال الكافي لجعل هذه الفكرة على أرض الواقع، بحيث ينشئ اللوح نفسها ويكون قادراً على استقبال المشاركات وفرزها، وبعد ذلك لن يتردد المعلنون في دفع أموالهم مقابل ظهور شعاراتهم على اللوح.

النتيجة:

  • جهة منظمة تأخذ نسبة دائمة من الأرباح.
  • معلنون يتنافسون على الاستفادة من هذه الفرصة.
  • فنانون يفخرون بأعمالهم وهي تنشر أمام الآلاف، ونمو لحس التذوق الفني عند العامة.
  • طريق مبهج تخف فيه حدة الملل كثيراً.

مشاكل محتملة:

  • تكلفة اللوحة قد تزيد لتوفير وسائل حماية من ظروف الطقس، والإنارة ليلاً.
  • قد تكون هناك مشكلة في أخذ ترخيص لهكذا مشروع طالما لم يكن عن طريق جهة حكومية.

نماذج توضيحية:

هذه صورة تمثيلية للوحة على طريق سريع:

.
توضيح مبدئي لمكونات اللوحات (عملته على السريع):

وهذا مقطع فيديو تمثيلي لسيارة تمر بجانب اللوحة بسرعة 140 كم:

أتمنى أن تعجبك الفكرة عزيزي السارق :) .

مصدر صورة الطالب

كل شيء ممكن!

الخميس, 27 أغسطس, 2009

أثناء لحظة فراغ في المنزل، دفعني الفضول لأختبر أختي الصغيرة في مسألة رياضية من جدول الضرب، كونها مقبلة على السنة الخامسة الابتدائية، وهي سنة تستند على جدول الضرب من السنة الرابعة. كانت إجابتها: “ما أعرف! عجزت أحفظه. أنا اللي حفظته زين هو جدول الخمسة” ولكن أنا متأكد أن هذا غير صحيح، فهي -ما شاء الله- متقدة الذهن والذاكرة ولا تنقصها مهارات الحفظ والاستنتاج. ولكنها -لسبب ما- أقنعتْ نفسها بأنها لا تستطيع. وأياً كان السبب، فهو وهمي ولا يمت للحقيقة بصلة. قلت لها: “لا بأس، سوف نحفظه معاً.” وما زلت حتى الآن أتابع معها الجدول، وقد تقدمنا شوطاً كبيراً.

في حياتنا اليومية، لابد أننا نصدف بين الحين والآخر أناساً يقولون “ما أقدر” عندما تسألهم: “لماذا لا تجرب فعل ذلك؟” وأعني أي مهارة في هذا العالم مثل الطبخ، الرسم، الكتابة. أو حتى تغيير سلوكيات معينة في حياتنا نريد اكتسابها أو نريد التخلص منها. أحياناً، يكون الأمر فعلاً مستحيلاً وخارج القدرة والاستطاعة الممكنة للشخص. ولكن في غالب الأحوال، لو فكرت في إجابة “لا أستطيع” هذه جيداً، وبحثت في ما وراءها، ستجد أنها غير صحيحة وليست دقيقة، وأن الإجابة الأصح هي “لا أملك الإرادة” أو “لم أتعلم ذلك” “لم أتدرب كفاية” فهي حسبما أرى العوامل الثلاثة التي تدخل في تعلم أي شيء: الإيمان، التعلّم، التدرب. إنها الخلطة السحرية التي من شأنها جعل كل شيء ممكناً! تبدو تركيبة بسيطة وسطحية لأن تكون قاهرة المستحيل، ولكنها كذلك! إنها تطوّع كل شيء تتمناه فتمتلكه، كما لو أنها تعويذة خيالية.

سأضرب لكم مثالاً بسيطاً من حياتنا اليومية وهو الطباعة على لوحة المفاتيح، أقصد عملية الكتابة كما أفعل الآن في كتابة هذه الأحرف التي تقرؤها. تبدو المهارة سهلة، فالكل يجيدها، ولا تتطلب هذه العملية سوى حفظ لأماكن الأحرف وشيء بسيط من الممارسة. وهذا صحيح، ولكنها نظرة محدودة لوجه واحد من العملية، فماذا لو قلت لكم أنها عملية معقدة ومركبة جداً، بل إنها في نظري من أعقد العمليات التي يقوم بها العقل والجسد البشري! كيف ذلك؟ حسناً.

  • حتى تطبع الأحرف، فإنك حفظت أماكن المفاتيح بحيث يذهب إصبعك نحو الحرف دون الحاجة للبحث عنه كل مرة، وهي مهارة استغرقت أسابيع.
  • في حال كنت لا تنقل من ورقة إلى الحاسب، فإن ما تطبعه هو ما تفكر به، وهذا يعني أنك تطبع وتفكر في الوقت نفسه! وهي تزيد العملية عمقاً.
  • لا يمكنك أن تطبع ما تفكر به، إلا بامتلاكك اللغة! وهي الوسيط بين التفكير والتعبير، وهي بحد ذاتها مهارة مستقلة ومعقدة جداً اكتسبتها بعد تدرّب لسنوات طويلة منذ طفولتك.
  • امتلاكك اللغة -بحيث تنطق بها- لا يكفي، بل لابد أيضاً أن تتعلم أسس الكتابة والإملاء فيها حتى تدوّن، أي تحويل الكلمات المنطوقة إلى هذه الرسومات (الأحرف) بالشكل الصحيح، وهي مهارة يحتاج المرء سنوات لتعلمها. بدونها، لا يمكنك الكتابة بما تفكر به، قد تستطيع فقط النقل من نص إلى نص رسماً.

هل رأيت القوة والعظمة في هذه العملية؟ هذه الطقطقة التي تبدو تافهة هي في الواقع مهارة عظيمة، وما تفعله عند طباعتك إنما هو حصيلة سنوات من مهارات مركبة أخرى. فإلى كل من يكتب “لا أستطيع” أقول له إن كتابتك لهاتين الكلمتين يجعل عذرك مردوداً، فطالما أنك استطعت كتابتهما فإنك تستطيع إتقان أي شيء آخر!

هل سمعت عن الشناقطة يوماً؟ إنهم قوم من بلد “شنقيط” في أفريقيا دخلهم الإسلام قديماً، اشتهروا بقدرتهم على الحفظ الواسع وإمكانية استرجاع المحفوظ لحظياً، كما لو أنهم أداة “جوجل” من العصر الأموي! أما حفظ القرآن والسنة النبوية فهذا شيء طبيعي وأساسي لدى كل منهم، ولكن يأتي التخصص بعد ذلك فمن يهتم بعلوم الدين تجده يتبحر ويحفظ المتون وكتب الفقه أو التفسير. أما من يهتم بالأدب فيحفظ ما لا يقل عن ألف بيت فضلاً عن دواوين الشعراء الكبار كالمتنبي والبحتري وغيرهم! وهناك من يحفظ القاموس كله أو ألفية ابن مالك وغيره. وأعني بالحفظ أنها حاضرة دائماً بحيث يسترجعها مباشرة! كيف يفعلون ذلك؟ هل ولدوا ومعهم هذه القدرة الخارقة تنتقل في جيناتهم أم ماذا؟ في الواقع إن الشناقطة طبيعيون مثلنا ولو قرأت عنهم لعرفت سرّهم. يكرّس الفرد منهم وقته في مهارات الحفظ وفنون ترتيبها في الذهن واسترجاعها، ويمضي على هذه الحال لسنوات حتى يمتلك هذه القدرة العجيبة.

الأمر لا يحتاج سوى للتدريب في الواقع، فإذا شاهدت الحيوانات تستعرض حركاتها المبهرة في مسرح السيرك بفضل التدريب، وهي التي لا تمتلك إرادة ولا أهداف تسعى لها، فكيف بالإنسان الذي يمتلك هذه الأشياء ثم يقول أنا عاجز. إذا كنت تعرف قيادة الدراجة الهوائية، فلابد من أنك تتذكر يومك الأول، وكيف أن قطعة الحديد الكريهة هذه كانت تسقط يميناً وشمالاً دون أن تتحرك شبراً إلى الأمام! يبدو وقتها أن الأمر مستحيل، ولكن كلها أيام، حتى غدت قيادتها سلسة وناعمة.

الجميل في تعلم أي مهارة، أنك بعد إتقانها، لا تفكر فيها، وأنها لن تشغل ذهنك أثناء قيامك بها! كأنها تتحول من عملية إرادية إلى لا إرادية. فعند تعلم قيادة السيارة في الأيام الأولى، تفكر بكل خطوة تقوم بها، فتح الباب، الجلوس في المقعد، وضع المفتاح في مكانه والتشغيل، مكان مبدل السرعة، ودواسة البنزين والكوابح، فضلاً عن انشغالك بالطريق نفسه والسيارات. ولكن بعد أن تتقنها، يصبح الأمر روتينياً جداً فتستطيع أن تفكر أو تحادث من معك أثناء التشغيل والقيادة. وقس هذا على كل المهارات الأخرى. شيء رائع، تأخذ منها ولا تخسر شيئاً!

مالذي دفعني لكتابة هذه التدوينة؟ هو مقطع فيديو شاهدته مؤخراً، كان تأثيره علي قوياً، ووجدته محفزاً جداً.

يااااه، هل تشعرون بما أشعر به؟ كل لقطة في المقطع جاءت بشيء غريب، شيء ابتدعه أحدهم في هذا العالم دون أن يقلد من قبله، ولكنه وصل إليه مع الإيمان والتدريب. الله وهبنا سعة عقلية وجسدية خارقة، ولكنها كامنة، تاركاً لنا قرار استغلالها وتطويرها. في الحقيقة، نحن قادرون على اكتساب كل ما نحلم به إذا تحلينا بشيء من الإرادة والإصرار، والباقي مسألة وقت!

فهل تستطيع؟

If you want, you can.

مصادر الصور: 1,2,3,4

مجرد سراب

الجمعة, 26 ديسمبر, 2008

أحضرت كوب القهوة مثل كل صباح وأنا أتفقد الإنترنت، كان كل شيء في منتهى النمطية حتى اللحظة التي أدخلت فيها اسم المستخدم وكلمة السر بالـ Gmail، وإذا به يخبرني بأنهما لا يتفقان! حاولت مرة أخرى، وظهرت لي نفس الرسالة، كيف لهذا أن يحدث فلا يمكن للقهوة أن تطيب بدون رسائل الإيميل! جربت أن أترك الموقع لبعض الوقت فربما كان هنالك خلل قد حل به، ولكن مرت ساعة كاملة دون أي نتيجة. سألت بعض الأصحاب فأخبروني أنهم يدخلون حساباتهم بدون مشاكل، وفي اليوم نفسه جربت أن أحاول دخول البريد من جهاز آخر ولم أفلح، حينها بدأت تراودني شكوك كريهة.

قبل أن أقلق كثيراً قلت لنفسي لعلها الذاكرة قد خانتني وأضاعت كلمة السر، وقد كنت على علم بأن هنالك فرصة لاستعادة كلمة السر، فدخلت للصفحة المعنية، وبعد سلسلة من الإجراءات نبهني الموقع لأن أتفقد بريدي الثانوي (على الـHotmail ) حتى أجد كلمة السر الجديدة هناك. ولمّا ذهبت هناك، لم أستطع الدخول أيضاً! فتيقنت بأنني قد تعرضت للسرقة، وأن السارق قد سرق الهوتميل أولاً ثم الجيميل بواسطة أسلوب استعادة كلمة السر هذه. هرعت إلى بريد الـ Yahoo الذي يحمل نفس استخدم وكلمة السر، ولكن فات الأوان!

ولأن كل المواقع الخدمية مثل Facebook و Flickr و Youtube والمنتديات وغيرها تعتمد على الإيميل عند التسجيل وكذلك عند رغبة المستخدم في إجراء أي تغيير، ومن ضمن ذلك تغيير كلمات السر فيها، فإن السارق استطاع أن يتفقد بريدي ويعرف المواقع الخدمية المهمة التي انضممت إليها، وقرر أن يغير كلمات السر فيها الواحد تلو الآخر، وأنا أعيش فصول المسرحية دون أن أستطيع التحرك وفعل أي شيء، بل ودون أن أستوعب معنى ما يجري أمامي وتبعاته.

في تلك اللحظة، كان كل أملي ألا يحذف السارق شيئاً.

في اليوم التالي صحوت من نومي مستوعباً مالذي حصل، مدركاً حجم المصيبة التي وقعت فيها، لقد فقدت كل شيء! لقد خسرت الكثير من ذاتي، فجزء كبير مني متمثل داخل الشبكة، وكثير من العلاقات والصداقات مرتبطة من خلال الإنترنت فقط دون تواصل حقيقي، سواء عن طريق الماسنجر أو الإيميلات أو التواصل داخل Twitter. وأنا الآن لست أعلم هل أخذ السارق يتواصل مع هؤلاء الناس أم لا؟ هل أخذ يعبث مع معارفي بلساني؟ كيف سأعتذر حين أستعيد أدواتي مرة أخرى؟ هنالك أصحاب وأقارب يبلغون المئات، هذا غير المتابعين الذين يبلغون الآلاف! أحسنت الظن بالسارق، ربما لأني لا أريد التفكير بحجم المصيبة!

مرت أيام دون أن ألاحظ أية تغييرات، حتى اكتمل أسبوع بالضبط، وحينها أخذ السارق يحدث بياناتي، فوجدته قد أخذ يعلق على صور أصدقائي في الـ Facebook، وقد أضاف تدوينتين متواليتين، ورفع بعض الصور في موقع DeviantArt، محاكياً أسلوبي بالضبط! كان هذا غريباً جداً، فهو لم يحاول تشويه صورتي أو الإضرار بي كما كنت أتوقع، بل هو يفعل ما كنت سأفعله بالضبط، إنه يحاكيني تماماً. لابد أنه يعرفني شخصياً، فهو يذكر معلومات حديثة عني وهي معلومات صحيحة.

بقدر ما أثار الأمر غرابتي فقد أثار غضبي أيضاً، حاولت قدر الاستطاعة استعادة أي شيء من ممتلكاتي بمخاطبة المواقع ذاتها ونحو ذلك من الطرق، ولكن دون فائدة، فقد هيمن السارق الجديد على كل وسائلي حتى صار أكثر إقناعاً للجميع مني أنا. حاولت مراسلته، مرة بأسلوب متأني، ومرة أخرى بأسلوب شرس، ولكن رده كان واحداً: “يجب أن أفعل هذا”.

بعد أسابيع طويلة، وصلت لحالة من التبلد والعجز، بدأ السارق يغير من شخصيتي على نحو متدرج إلى شخصية أسوأ، لم أكن مرتاحاً في بادئ الأمر، حتى مرت الأيام وجعلني أظهر بشخصية مختلفة تماماً، شخصية بذيئة وذات اهتمامات دنيئة ذات لسان أعوج تتلفظ بكل ما هو دنيء! إنني أظهر أمام الناس جميعاً بهذه الشخصية القذرة، حاملاً اسمي الصريح وصوري الشخصية، وكل ما يدل على أنني أنا! في حين أنني “أنا” الحقيقي لا أستطيع منع ذلك ولا أملك سوى المشاهدة الكريهة!

الأمر امتد إلى علاقاتي الحقيقية مع الأصحاب والأقارب، فالسارق أساء الأدب معهم جميعاً في أوقات مختلفة، وبالتالي أنا أسأت الأدب معهم! في البدء كنت أحاول جاهداً إقناعهم بأنني مسروق، وأنني لست الفاعل، ولكن كثيراً منهم لم يصدق ويقتنع بالفكرة، فكيف يمكن لسارق واحد أن يسرق كل تلك الأشياء؟ وحتى لو كانت مسروقة، فمن هذا السارق الذي سيضيع أشهراً من حياته محاكياً حياتي وساعياً لتشويه صورتي بكل تفاني والتزام؟ إنه شيء يثير الحنقة، ولكن لابد من أن أعترف بأنهم محقون.

هناك القليل ممن كانوا يصدقوني لأنهم يعرفوني جيداً، ولكن الكثير لم يصدقني. للمرة الأولى أخذت أفكر كم أصبح الناس يأخذون كل ما في الإنترنت على محمل الجد، لم تعد مجرد وسيلة ترفيه أو ثقافة، بل هي وسيلة تواصل وحياة اجتماعية كاملة. زيادة على هذا، فالسارق كان ممثلاً رائعاً، سارق هوية محترف، لقد أجاد لعب شخصيتي أكثر مما أفعل أنا، وأحسن استخدام نفسي كما لم أكن لأفعل من قبل. أصفق لإبداعه، وأقهقه من شر البلية.

في تلك اللحظة، تمنيت لو أن السارق قد محى كل ما كنت أملكه يوم سرق الإيميل! لكنه لم يقتلني، بل فضل إبقائي حياً أتعذب.

الجزء الأعظم من هويتي تشوه بسبب ثقتي العمياء بالإنترنت، وقد خسرت عدداً كبيراً من الأصحاب، وتدنت مكانتي الاجتماعية على نحو رهيب، ولا أستطيع تغيير ذلك لأنني غير قادر على الاتصال بكل ذاتي، وغير قادر على رسم مستقبلي كما أريد، فهنالك يد أخرى أكثر قوة ترسم ذاتي كما تشاء على النحو الذي تريده. كل يوم أنظر إلى صوري، وتعليقاتي، وتدويناتي، وأكرهها، أكره كل ما ينتج مني، أصبحت أكرهني.

بعد مرور الزمن، تأقلمت مع الأمر، وعلمتني الأيام أن أعيد النظر. هناك من صدقوني، وبقوا معي. هؤلاء القلة، هم الذين المخلصون الذين يعرفوني جيداً، ويهتمون لأمري، وهم الذين يستحقون أن أهتم بأمرهم وأعطيهم الود والاحترام.

كل ما عدى ذلك، مجرد سراب.

(قصة قصيرة ألفتها صباح الأمس، بعد أن تمت سرقة إيميل الـ Gmail والـ Yahoo ثم غيّر السارق كلمات السر لحسابات بعض المواقع، كل ما عدى ذلك فهو من وحي الخيال. بقدر ما كنت متضايقاً، وجدت الأمر ملهماً لكتابة هذه القصة القصيرة! والحمد لله فقد استعدت كل شيء مساء اليوم)

ما هي الدرجة التي تثق فيها بالإنترنت والمواقع الاجتماعية على نحو الخصوص؟ وضّح حدود خصوصيتك فيها (اسم صريح، صور، مكان إقامة إلخ).

نعمة الذاكرة

الأثنين, 22 أكتوبر, 2007

شاهدت مؤخراً سلسلة (Bourne) الشهيرة والمكونة من ثلاثة أفلام، وهي سلسلة صدر فيلمها الأول في عام 2002 وقد ترددت حينها في مشاهدته، وبالفعل فضّلت مشاهدتها سوية فصبرت حتى جاء الجزء الأخير هذا العام. الأفلام الثلاثة جاءت تقريباً بمستوى فني وتقني واحد، وهو مستوى جميل فاق توقعي، كنت أتوقع فيلماً يقوم على فكرة حركية وحسب، غير أن الفيلم حمل جوانب أخلاقية وسياسية عميقة صيغت في سياق قصة محبوكة مثيرة.

فقدان البطل لذاكرته هو المحور الرئيسي الذي نُسجت منه خيوط الحبكة كاملة، وهذا الفيلم ليس بأول من تناول فقدان الذاكرة (Amnesia) فهنالك أفلام شهيرة أخرى تناولت هذه الظاهرة مثل (العثور على نيمو) و (ميمنتو) و (إشعاعات داخلية للعقل المتدهور) وغيرها. وكثيراً ما طرحت هوليوود أفلاماً تتعرض شخصياتها لحالات ذهنية عصيبة كالأرق وانفصام الشخصية ومرض التوحد، وغالباً ما تلقى تلك النوعيات من الأفلام نجاحات جماهيرية ونقدية وتنال الجوائز السينمائية.

هل تعرف أحداً فقد ذاكرته؟

( اكمل قراءة التدوينة )

النسبة الذهبية

الأربعاء, 5 سبتمبر, 2007

[تم إضافة التدوينة في knol، معاً نحو إثراء المحتوى العربي]

هذه التدوينة تهم كل من يملك موهبة فنية، في التصوير والرسم والعمارة والديكور وحتى الموسيقى وغيرهم ممن يصنعون الأشياء الجميلة. كما تهم كل مفتون بالجمال وباحث عن أسراره. إنها تتناول سراً رياضياً خطيراً اكتشفه الإنسان القديم، نسبة رياضية بسيطة تخلق الأشياء الجميلة! نسبة رياضية تجعل الرسمة أخّاذة، والصورة جذابة، والمبنى فاتناً. نسبة رياضية ألهمت الفنانين من كل صوب، فصارت تقوّم أشكالهم وأعمالهم فتجعلها جميلة ساحرة تشد الأبصار فتسر الناظرين. كم شغَلَت هذه النسبة بالي أثناء دراستي لأحد مناهج العمارة، وذلك حين جاءت في سياق درس يفسر أسباب الجمال المعماري.

فهل تحب معرفة هذه النسبة؟ ورؤية أمثلة عليها؟ ( اكمل قراءة التدوينة )