
شاهدت خلال الأيام الماضية فيلمين كلاسيكيين عظيمين، ينتمي كل منهما لموجة سينمائية مختلفة، تكاد تكون مضادة للأخرى.
الفيلم الأول: The Bicycle Thief
يعد الفيلم الإيطالي “سارق الدراجة” الذي أنتج في عام 1948 فيلم حجر الأساس لـ “الواقعية الحديثة” (Neorealism) وهي موجة إيطالية ظهرت في أعقاب الحرب العالمية الثانية وفكرتها الأساسية هي في الخروج عن النمط الكلاسيكي التقليدي لأفلام الأربعينات المصطنعة سواء في أوروبا أو أمريكا إلى روح واقعية في الاستعراض الفني تعبر عن حال الشارع والطبقة الكادحة.

“أنتونيو ريتشي” بالكاد حصل على وظيفة ملصق بوسترات وإعلانات، وفي يومه الأول تـُسرق دراجته فيمضي رحلة مع ابنه الصغير في أزقة روما للبحث عنها لأنه يحتاجها من أجل العمل ولا يمكنه دفع ثمن واحدة أخرى. وفي خلال الرحلة يكشف الفيلم التناقضات الطبقية للمجتمع الإيطالي وتلوث الشارع وأخلاقيات معظم الناس ويستعرض أيضاً الفقر المدقع وعدد من الإسقاطات الأخرى في سياق فني متجانس. قصة تبدو بسيطة ولكن جمالياتها الحقيقية تبرز عند المشاهدة مع استحضار السياق السينمائي وكذلك الاقتصادي لإيطاليا آنذاك.
من خصائص الواقعية الحديثة أن يكون التصوير في أماكن حقيقية بين أناس حقيقيين وليس داخل استديوهات تصوير، ولهذا نجد أن معظم تصوير “سائق الدراجة” جاء في مشاهد خارجية لإيطاليا. ومن الخصائص أيضاً أن يكون معظم طاقم التمثيل أشخاصاً من الشارع وليسوا ممثلين محترفين، وهذا يشمل أبطال الفيلم أحياناً، ولهذا عمد المخرج “فيتوريو دي سيكا” (والذي يؤمن بأن الجميع قادر على التمثيل باحتراف) على أن يعطي دور البطولة لرجل من الطبقة الكادحة فعلاً وهو عامل في إحدى المصانع وليس له أي خلفية في التمثيل، أما ابنه اللطيف والمبدع جداً فهو أيضاً من أطفال الشارع، وكلاهما أبدعا حقاً في الأداء بواقعية مدهشة. هذه الموجة الواقعية كان لها أثر كبير على كثير من صانعي الأفلام، بل إن ذلك امتد حتى 1999 حيث صرح “مجيد مجيدي” يوم أخرج “أطفال الجنة” بأنه متأثر بـ “سائق الدراجة” كثيراً.
قصة لطيفة تستعرض بواقعية شديدة الفقر والإحباط الذي عانت منه إيطاليا أعقاب الظروف الصعبة، تستعرضها من خلال خيط رفيع للأحداث يمضي بنا في رحلة مؤلمة للبحث عن الدراجة.
–
الفيلم الثاني: Sunset Boulevard
لم أكن أتصور أني سأشاهد فيلماً أنتج في 1950 يشد كامل انتباهي في الدقائق الأولى براوي يتحدث: “أجل، هذه هي سنست بوليفارد، إنها تقارب الخامسة فجراً، وهذا هو موكب الانتحار، يزخ بالمباحث والصحفيين، فقد تم الإبلاغ عن حالة وفاة في إحدى المنازل المجاورة، ستقرؤون عنها في الصحف، أنا متأكد. ستسمعون عنها في الراديو وربما تشاهدونها في التلفاز!” عدلت جلستي وأطفأت الأنوار فوراً، فقد صيغت تلك الكلمات في علاقة وثيقة مع اللقطات والموسيقى بقالب نادر خطف إعجابي منذ الوهلة الأولى.

الفيلم يعتبر من أفلام النوار “Film noir” وهو مصطلح فرنسي توصف به بعض أفلام هوليوود ظهرت في بداية الأربعينات وحتى أواخر الخمسينات، وله خصائص تشترك فيها أفلامه، فغالباً تتمحور حول قصة قتل، ويكون البطل رجلاً تائهاً وقد وقع في ظروف لم يخطط لها، أما الخصم فهي امرأة خطيرة تود الإغواء أو السيطرة أو حتى القتل. عوالم فيلم النوار مشوهة ومظلمة، غالباً في لوس آنجلس وهي ذات بيئة كئيبة وغير مطمئنة أبداً. شوارع المدينة دائماً خطرة وكذلك الناس لا يمكن أن تشعر بالثقة بهم. أسلوب الراوي شائع كثيراً في أفلام النوار ويأتي بصورة توثيق أو اعتراف.
كل تلك الخصائص كانت إلى حد كبير متمثلة في “سنست بوليفارد” الذي دعمه سيناريو ذكي ومحنك استحق الفوز بالأوسكار، كما فاز بالموسيقى الجميلة أيضاً وأوسكار آخر في الديكور، هذا بخلاف 8 ترشيحات أخرى. أجدني متردداً في ذكر ولو جزء بسيط من الأحداث لخشيتي من أن هذا لن يكون في صالح المتابع.
–
بدون تخطيط جاءت مشاهدتي لـ “سنست بوليفارد” بعد “سارق الدراجة” وقصة كل منهما متعلقة برجل فقد وظيفته ويسعى من أجلها، ولا يفصل بين إنتاج الفيلمين سوى عامين، ورغم جمال كل منهما إلا أنهما في غاية التباين والاختلاف من حيث الطابع والاستعراض الفني، وهذا زادني دهشة من القدرة المطاطية العجيبة للسينما، وإمكانيتها الرهيبة على السرد في شتى الصور والأشكال.








