
لدي سؤالان اسمحوا لي أن أستهل بهما.
هل يجب أن يحمل العمل الفني مغزى وهدفاً حتى نسميه فناً جميلاً؟ أم أن هذا عنصر ثانوي لا يشترط توفره في كل عمل؟
هل أنت مستعد لأن تضيع ساعتين من وقتك لتشاهد عملاً سينمائياً بدون وجهة، حتى لو كان يحتوي أشياء جميلة؟
في الواقع أنا أسأل هذه الأسئلة لأني شاهدت عملاً أثار استيائي كثيراً بالرغم من أنني أعجبت بعدد كبير من المشاهد والعناصر الفنية في داخله. ولكنه كان خاوياً من المنطق والحس السردي الواضح بحيث منذ يبدأ العمل وحتى ينتهي والأسئلة تزداد في داخلك دون إجابات يقدمها لك، حتى يتركك في تناقض كريه ما بين محب وكاره مع نهايته.
الأخوان كوين في فيلمهما المرشح للأوسكار هذه السنة، A Serious Man، برأيي أنهما أخفقا بشدة في صنع عمل يوازي إنجازاتهما السابقة مثل Fargo و No Country for Old Men وحتى Burn After Reading الذي يشابه إيقاع هذا الفيلم كثيراً ولكنه كان مفهوماً إلى حد كبير وتستطيع التواصل معه.

لا أنكر أن هذا الفيلم أمتعني في كثير من العناصر والمشاهد، فالأداء كان رائعاً من الجميع. التصوير في أفضل حالاته مثل مشهد التلاوة. المونتاج تألق في لحظات مثل مشهد الحاخام الثاني يوم كان يحكي حكاية طبيب الأسنان. أحببت الحس الكوميدي في الفيلم مثل مشهد الحاخام الأول أو الطفل الشرق الآسيوي وحتى موظف الترسيم الذي يطل على مكتبه بين الحين والآخر.
حتى ألخص شعوري تجاه هذا العمل أظنني سأقول بأنني لست مستاء من ضعف جودة العمل. بل مستاء لأن هذا العمل كان سيكون عظيماً لولا تمرد الأخوين كوين في السرد القصصي واللكمة التي تأتيك في النهاية.
لا أمانع النهايات البعيدة عن التقليدية، وأجدني معجباً بأفلام كثيرة تمردت على السيناريو التقليدي، وأحب الكوميديا السوداء.
ولكن هنا.. لا شيء واضح، وكأنها تخاريف شاعر يقول أشياء جميلة لا معنى لها.

لمن شاهد الفيلم:
أظنني أفهم قصد الأخوين كوين من النهاية، واعتراضي على وجه الدقة في اختيارهما لها كنهاية للعمل.. بالرجوع إلى حديث الحاخام الثاني حول تلك القصة الغريبة المليئة بالأحداث ولكنها خلت من نهاية واضحة “Who cares?” مما ترك لاري معلقاً كما حصل معنا بالضبط في نهاية الفيلم. سواء كان هذا هو القصد أم لا فأنا لا أحبه ولا أعتقد أنه يبرر إضاعة وقتي بهذا الشكل.
أعجبني في المشهد الأول التضاد بين المنطق والدين، والذي تمثل في أحداث الفيلم حيث تشعر تارة بأن الأحداث إنما هي عقوبة إلهية، بينما تشعر في الحين الآخر بأنها نتائج طبيعية لتصرفات لاري وردود فعل منطقية تأخذ مجراها، وتصل لقمة الحيرة في المشهد الأخير حيث تأتي مكالمة الأشعة غير المبشرة من المستشفى فور تغيير لاري للدرجة، وتأتي العاصفة فور صياح ابنه داني في وجه شخص أخطأ في هويته بنوايا سيئة.
انتهى
لم أعد أحتمل آراء الذي يبدون إعجابهم بنهاية هذا الفيلم، وأشياء فنية تشبهه، بحجة “الفن” الذي يمكن النظر له من أكثر من زاوية وترجمته بالطريقة التي نريد رؤيتها وتحتمل تفسيراً شخصياً لكل منا، فقد مللت هذا النقاش ولا أظن أنني أريد خوضه مجدداً. الفن الجميل يثبت نفسه ويفرض إعجابه عليك بصورة لا يمكنك مقاومتها، لا أحتاج أن أبذل جهدي في الوصول إلى العمل إذا لم ينجح في إثارة فضولي. كما أن جزءً من عدم الفهم قد يحال إلى الربط التوراتي في العمل، ولكن لو كان هذا صحيحاً فهو يحسب على العمل مجدداً.

في العادة لا أكتب عن أفلام لا تعجبني، ولكن أجزاء كثيرة من هذا الفيلم أعجبتني ولهذا وجدتها فرصة لأن أكتب عنه.
فرصة لأن أستمع لرأيك أيضاً. هل أحببت الفيلم؟ ما هو انطباعك عنه؟
ألا تتفق معي بأن أداء “مايكل ستولبارغ” يستحق ترشيحاً للأوسكار؟










