
أحضرت كوب القهوة مثل كل صباح وأنا أتفقد الإنترنت، كان كل شيء في منتهى النمطية حتى اللحظة التي أدخلت فيها اسم المستخدم وكلمة السر بالـ Gmail، وإذا به يخبرني بأنهما لا يتفقان! حاولت مرة أخرى، وظهرت لي نفس الرسالة، كيف لهذا أن يحدث فلا يمكن للقهوة أن تطيب بدون رسائل الإيميل! جربت أن أترك الموقع لبعض الوقت فربما كان هنالك خلل قد حل به، ولكن مرت ساعة كاملة دون أي نتيجة. سألت بعض الأصحاب فأخبروني أنهم يدخلون حساباتهم بدون مشاكل، وفي اليوم نفسه جربت أن أحاول دخول البريد من جهاز آخر ولم أفلح، حينها بدأت تراودني شكوك كريهة.
قبل أن أقلق كثيراً قلت لنفسي لعلها الذاكرة قد خانتني وأضاعت كلمة السر، وقد كنت على علم بأن هنالك فرصة لاستعادة كلمة السر، فدخلت للصفحة المعنية، وبعد سلسلة من الإجراءات نبهني الموقع لأن أتفقد بريدي الثانوي (على الـHotmail ) حتى أجد كلمة السر الجديدة هناك. ولمّا ذهبت هناك، لم أستطع الدخول أيضاً! فتيقنت بأنني قد تعرضت للسرقة، وأن السارق قد سرق الهوتميل أولاً ثم الجيميل بواسطة أسلوب استعادة كلمة السر هذه. هرعت إلى بريد الـ Yahoo الذي يحمل نفس استخدم وكلمة السر، ولكن فات الأوان!
ولأن كل المواقع الخدمية مثل Facebook و Flickr و Youtube والمنتديات وغيرها تعتمد على الإيميل عند التسجيل وكذلك عند رغبة المستخدم في إجراء أي تغيير، ومن ضمن ذلك تغيير كلمات السر فيها، فإن السارق استطاع أن يتفقد بريدي ويعرف المواقع الخدمية المهمة التي انضممت إليها، وقرر أن يغير كلمات السر فيها الواحد تلو الآخر، وأنا أعيش فصول المسرحية دون أن أستطيع التحرك وفعل أي شيء، بل ودون أن أستوعب معنى ما يجري أمامي وتبعاته.
في تلك اللحظة، كان كل أملي ألا يحذف السارق شيئاً.
في اليوم التالي صحوت من نومي مستوعباً مالذي حصل، مدركاً حجم المصيبة التي وقعت فيها، لقد فقدت كل شيء! لقد خسرت الكثير من ذاتي، فجزء كبير مني متمثل داخل الشبكة، وكثير من العلاقات والصداقات مرتبطة من خلال الإنترنت فقط دون تواصل حقيقي، سواء عن طريق الماسنجر أو الإيميلات أو التواصل داخل Twitter. وأنا الآن لست أعلم هل أخذ السارق يتواصل مع هؤلاء الناس أم لا؟ هل أخذ يعبث مع معارفي بلساني؟ كيف سأعتذر حين أستعيد أدواتي مرة أخرى؟ هنالك أصحاب وأقارب يبلغون المئات، هذا غير المتابعين الذين يبلغون الآلاف! أحسنت الظن بالسارق، ربما لأني لا أريد التفكير بحجم المصيبة!
مرت أيام دون أن ألاحظ أية تغييرات، حتى اكتمل أسبوع بالضبط، وحينها أخذ السارق يحدث بياناتي، فوجدته قد أخذ يعلق على صور أصدقائي في الـ Facebook، وقد أضاف تدوينتين متواليتين، ورفع بعض الصور في موقع DeviantArt، محاكياً أسلوبي بالضبط! كان هذا غريباً جداً، فهو لم يحاول تشويه صورتي أو الإضرار بي كما كنت أتوقع، بل هو يفعل ما كنت سأفعله بالضبط، إنه يحاكيني تماماً. لابد أنه يعرفني شخصياً، فهو يذكر معلومات حديثة عني وهي معلومات صحيحة.
بقدر ما أثار الأمر غرابتي فقد أثار غضبي أيضاً، حاولت قدر الاستطاعة استعادة أي شيء من ممتلكاتي بمخاطبة المواقع ذاتها ونحو ذلك من الطرق، ولكن دون فائدة، فقد هيمن السارق الجديد على كل وسائلي حتى صار أكثر إقناعاً للجميع مني أنا. حاولت مراسلته، مرة بأسلوب متأني، ومرة أخرى بأسلوب شرس، ولكن رده كان واحداً: “يجب أن أفعل هذا”.
بعد أسابيع طويلة، وصلت لحالة من التبلد والعجز، بدأ السارق يغير من شخصيتي على نحو متدرج إلى شخصية أسوأ، لم أكن مرتاحاً في بادئ الأمر، حتى مرت الأيام وجعلني أظهر بشخصية مختلفة تماماً، شخصية بذيئة وذات اهتمامات دنيئة ذات لسان أعوج تتلفظ بكل ما هو دنيء! إنني أظهر أمام الناس جميعاً بهذه الشخصية القذرة، حاملاً اسمي الصريح وصوري الشخصية، وكل ما يدل على أنني أنا! في حين أنني “أنا” الحقيقي لا أستطيع منع ذلك ولا أملك سوى المشاهدة الكريهة!
الأمر امتد إلى علاقاتي الحقيقية مع الأصحاب والأقارب، فالسارق أساء الأدب معهم جميعاً في أوقات مختلفة، وبالتالي أنا أسأت الأدب معهم! في البدء كنت أحاول جاهداً إقناعهم بأنني مسروق، وأنني لست الفاعل، ولكن كثيراً منهم لم يصدق ويقتنع بالفكرة، فكيف يمكن لسارق واحد أن يسرق كل تلك الأشياء؟ وحتى لو كانت مسروقة، فمن هذا السارق الذي سيضيع أشهراً من حياته محاكياً حياتي وساعياً لتشويه صورتي بكل تفاني والتزام؟ إنه شيء يثير الحنقة، ولكن لابد من أن أعترف بأنهم محقون.
هناك القليل ممن كانوا يصدقوني لأنهم يعرفوني جيداً، ولكن الكثير لم يصدقني. للمرة الأولى أخذت أفكر كم أصبح الناس يأخذون كل ما في الإنترنت على محمل الجد، لم تعد مجرد وسيلة ترفيه أو ثقافة، بل هي وسيلة تواصل وحياة اجتماعية كاملة. زيادة على هذا، فالسارق كان ممثلاً رائعاً، سارق هوية محترف، لقد أجاد لعب شخصيتي أكثر مما أفعل أنا، وأحسن استخدام نفسي كما لم أكن لأفعل من قبل. أصفق لإبداعه، وأقهقه من شر البلية.
في تلك اللحظة، تمنيت لو أن السارق قد محى كل ما كنت أملكه يوم سرق الإيميل! لكنه لم يقتلني، بل فضل إبقائي حياً أتعذب.
الجزء الأعظم من هويتي تشوه بسبب ثقتي العمياء بالإنترنت، وقد خسرت عدداً كبيراً من الأصحاب، وتدنت مكانتي الاجتماعية على نحو رهيب، ولا أستطيع تغيير ذلك لأنني غير قادر على الاتصال بكل ذاتي، وغير قادر على رسم مستقبلي كما أريد، فهنالك يد أخرى أكثر قوة ترسم ذاتي كما تشاء على النحو الذي تريده. كل يوم أنظر إلى صوري، وتعليقاتي، وتدويناتي، وأكرهها، أكره كل ما ينتج مني، أصبحت أكرهني.
بعد مرور الزمن، تأقلمت مع الأمر، وعلمتني الأيام أن أعيد النظر. هناك من صدقوني، وبقوا معي. هؤلاء القلة، هم الذين المخلصون الذين يعرفوني جيداً، ويهتمون لأمري، وهم الذين يستحقون أن أهتم بأمرهم وأعطيهم الود والاحترام.
كل ما عدى ذلك، مجرد سراب.

(قصة قصيرة ألفتها صباح الأمس، بعد أن تمت سرقة إيميل الـ Gmail والـ Yahoo ثم غيّر السارق كلمات السر لحسابات بعض المواقع، كل ما عدى ذلك فهو من وحي الخيال. بقدر ما كنت متضايقاً، وجدت الأمر ملهماً لكتابة هذه القصة القصيرة! والحمد لله فقد استعدت كل شيء مساء اليوم)
ما هي الدرجة التي تثق فيها بالإنترنت والمواقع الاجتماعية على نحو الخصوص؟ وضّح حدود خصوصيتك فيها (اسم صريح، صور، مكان إقامة إلخ).